يشرح ناثان ج. براون في هذا التحليل كيف نشأ جيل فلسطيني شاب داخل واقع لا تعمل فيه السياسة كما يفترض، ولا تؤدي فيه المؤسسات وظائفها الأساسية، فتعلم الشباب أن يديروا حياتهم وسط فراغ قيادي وحوكمي يزداد اتساعًا. يرى الكاتب أن اتهام الشباب بالجهل بالماضي يضلّل المشهد؛ لأن وعيهم بالحاضر أقوى من أي وقت، ولأنهم يختبرون يوميًا آثار انهيار المعنى السياسي للمؤسسات التي يفترض أن تمثلهم وتدافع عن حقوقهم.

 

يقدم التحليل قراءة تقول إن السلطة الفلسطينية تواصل البقاء بفعل العطالة وغياب البدائل لا بفعل الشرعية أو الفاعلية، بعدما فقدت الركيزتين اللتين قامت عليهما: الدبلوماسية الدولية والشرعية الديمقراطية.

 

يحذر الكاتب من أن تآكل المؤسسات وظهور فجوة جيلية عميقة يفرضان تحديات كبيرة على من يتحدث باسم الفلسطينيين، كما يربكان حسابات الدبلوماسيين الذين يحاولون “إدارة الصراع” أو “حله”، لأنهم يواصلون التعامل مع الواقع كأنه مؤقت وقابل للعودة السريعة إلى ما كان عليه.


جيل بلا تمثيل ولا صوت


يلاحظ الكاتب أن الشباب الفلسطينيين يتفقون على نقطتين أكثر من أي شيء آخر: لا أحد يصغي إليهم، ولا أحد يتحدث باسمهم. يربك هذا الإحساس من عاشوا مرحلة بناء الحركات والهياكل الوطنية التي سعت إلى تشكيل “صوت فلسطيني” موحد، لكنه يمرّ غالبًا فوق رأس المراقبين الدوليين الذين ينشغلون بسؤال “من يجلس على رأس الطاولة؟” بينما يغفلون عن حقيقة أن كثيرين غادروا الغرفة أصلًا.


يعرض المقال صورة لشباب متصلين بالعالم، يتقنون الإنجليزية، ويتابعون مصادر متعددة، لكنهم يقرأون محيطهم المحلي بحدة أكبر: مدارس تتعثر، ورواتب تُدفع جزئيًا، وخدمات عامة تهتز، وقيادة متقدمة في السن لا تحظى بالاحترام.

 

يشير الكاتب إلى أن الحديث عن “السلطة الوطنية الفلسطينية” فقد معناه لدى كثيرين؛ فبدلًا من “مشروع وطني” يرون “سلطة” تقدم خدمات محدودة بلا شرعية أخلاقية وبلا قدرة على حماية الناس من الاقتحامات أو اعتداءات المستوطنين، بينما يتداخل وجودها مع منظومة السيطرة الإسرائيلية عبر بطاقات الهوية والتنسيق الأمني والقيود اليومية.


ماذا يريدون.. وماذا يفعلون؟


عندما يسأل الناس الشباب عمّا يريدونه، يبرز جواب متكرر يتجاوز الشعارات: “حياة طبيعية”. يطلبون حرية الحركة، وأمانًا شخصيًا، وقدرة على الدراسة والعمل والتواصل دون خوف. لا يعني ذلك انسحابًا كاملًا من السياسة، بل يعني فقدان الإيمان بالبرامج الجاهزة وبالقيادات والفصائل.

 

يصف الكاتب الأفق بأنه بعيد وضبابي: لا إجماع على دولة واحدة أو دولتين، ولا قناعة بأن الوعود الاقتصادية تخفف الكلفة السياسية للاحتلال. ومع هذا، لا يختفي الأمل تمامًا؛ يبطؤ الزمن عندهم لكنه لا ينعدم.


على مستوى السلوك اليومي، يحاول الشباب “تطبيع اللاطبيعي” كي يعيشوا أقرب ما يمكن لفكرة الحياة العادية. يتابعون الحواجز والاقتحامات عبر تطبيقات مثل تليجرام لتفادي الطرق الخطرة، ويبتكرون طرقًا للالتفاف على الرقابة في منصات التواصل عبر رموز وتعبيرات بديلة. يصف أحدهم قلق الأسرة أثناء التنقل بين مدن الضفة أكثر من قلقها عند السفر للخارج، في صورة تلخص هشاشة “الأمان المحلي”.


لكن يلفت الكاتب إلى مفارقة مهمة: يساند كثيرون أي فعل “يحرك الماء الراكد” حتى لو اختلفوا معه أخلاقيًا أو سياسيًا، لأن غياب القيادة والاستراتيجية يدفع إلى تقدير من يستعيد الإحساس بالوكالة والظهور. يوضح المقال أن ذاكرة السابع من أكتوبر تظهر لدى بعضهم كاستعادة للقدرة على فرض الحضور على العالم، لا كافتتاح حرب وفق الرواية الشائعة خارجيًا، مع بقاء المواقف أكثر تعقيدًا وامتزاجًا في النقاشات الخاصة.


كيف وصلوا إلى هنا.. وما الذي يمكن فعله؟


يربط الكاتب هذا التحول بتآكل طويل سبق أحداث أكتوبر 2023 بكثير. يوضح أن الحديث الدولي المتكرر عن “انهيار السلطة” يتأخر عن الواقع؛ لأن الانهيار وقع منذ زمن على مستوى المعنى الوطني والشرعية، بينما استمرت المؤسسات كأطر خدمات وسجلات وإدارة محلية. ويضيف أن شعور الشباب بـ“الفساد” يتجاوز سرقة المال العام إلى معنى أوسع: قيادة غير منتخبة، عاجزة، وتحمي امتيازاتها بدعم خارجي يطالب بـ“إصلاح” يبدو للشباب مشروطًا بما يرضي إسرائيل أو يعالج عراقيل صنعتها القوى نفسها.


يتجاوز المقال نقد السلطة إلى وصف مسار أوسع يسعى إلى تفكيك ما تبقى من البنى الوطنية الفلسطينية: يهاجم هذا المسار مؤسسات مثل الأونروا، ويضغط على المجتمع المدني، ويخنق مالية السلطة، ويقوض ترتيبات مناطق الضفة، بما يدفع نحو واقع “فلسطينيين بلا فلسطين” على حد تعبير سابق للكاتب.


أما عن إمكانات التحرك، فيقترح الكاتب اتجاهين متلازمين:

 

يدافع الفاعلون الدوليون عن مساحة تنظيم فلسطيني حقيقية عبر حماية المجتمع المدني ووقف استهداف الأطر الإغاثية والحقوقية، ويقيسون السياسات بميزان الحقوق الفردية والجماعية لكل من يعيش بين النهر والبحر بدل لعبة “المفضلين والمنبوذين”.

 

وفي الداخل، يعيد الفلسطينيون الحيوية إلى السياسة عبر فتح المجال لتمثيل حقيقي وانتخابات ومؤسسات تسمح لأصوات الشباب أن تتحول إلى خيارات عامة، حتى لو احتاجت النتائج جيلًا كاملًا كي تنضج.


بهذا المنظور، لا تبدو الأزمة حدثًا عابرًا، بل تبدو نمطًا يطبع حياة جيل كامل—والتعامل معها كاستثناء مؤقت يترك الجميع بلا بوصلة، وبلا طريق واضح نحو “حياة طبيعية” يطلبها الشباب قبل أي شعار.

 

https://carnegieendowment.org/research/2026/02/youth-palestine-west-bank-crisis